محمد بن جرير الطبري

171

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم ، فإنهم أوفياء وأهل دين ، وهم يلون بلادنا ، وان عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكه من عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم ، ولا ندري ما وفاؤهم ، فأبى عليهم وأبوا عليه ، فقالوا : فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ، ولا تخرجها من بلادها إلى غيرها ، فأبى ، فقالوا : فانا لا ندعك ، فاعتزلوا وتركوه في حاشيته ، فاقتتلوا ، فهزموه وأخذوا الخزائن ، واستولوا عليها ونكبوه ، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر ، فاعترضهم المسلمون والمشركون بمرو يثفنونه ، فقاتلوه وأصابوه في اخر القوم ، واعجلوه عن الأثقال ، ومضى موائلا حتى قطع النهر إلى فرغانه والترك ، فلم يزل مقيما زمان عمر رضي الله عنه كله يكاتبهم ويكاتبونه ، أو من شاء الله منهم فكفر أهل خراسان زمان عثمان واقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ، ودفعوا اليه تلك الخزائن والأموال ، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الاكاسره ، فكانوا كأنما هم في ملكهم ، الا ان المسلمين أوفى لهم واعدل عليهم ، فاغتبطوا وغبطوا ، وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية . ولما خلع أهل خراسان زمان عثمان اقبل يزدجرد حتى نزل بمرو ، فلما اختلف هو ومن معه وأهل خراسان أوى إلى طاحونه ، فاتوا عليه يأكل من كرد حول الرحا ، فقتلوه ثم رموا به في النهر . ولما أصيب يزدجرد بمرو - وهو يومئذ مختبئ في طاحونه يريد ان يطلب اللحاق بكرمان - فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون ، وبلغ ذلك الأحنف ، فسار من فوره ذلك في الناس إلى بلخ يريد خاقان ، ويتبع حاشية يزدجرد وأهله في المسلمين والمشركين من أهل فارس ، وخاقان والترك ببلخ فلما سمع بما القى يزدجرد وبخروج المسلمين مع الأحنف من مرو الروذ نحوه ، ترك بلخ وعبر النهر ، واقبل الأحنف حتى نزل بلخ ، ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع ، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها ، وكتب